سيد محمد طنطاوي
326
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقرأ ابن كثير وابن عامر بالفتح دون تنوين ، والباقون بالكسر بدون تنوين . . « 1 » . وقوله * ( ولا تَنْهَرْهُما ) * من النهر بمعنى الزجر ، يقال نهر فلان فلانا إذا زجره بغلظة . والمعنى : كن - أيها المخاطب - محسنا إحسانا تاما بأبويك . فإذا ما بلغ * ( عِنْدَكَ ) * أي : في رعايتك وكفالتك * ( أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما ) * سن الكبر والضعف * ( فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ) * أي : قولا يدل على التضجر منهما والاستثقال لأي تصرف من تصرفاتهما . قال البيضاوي : والنهى عن ذلك يدل على المنع من سائر أنواع الإيذاء قياسا بطريق الأولى ، وقيل عرفا كقولك : فلان لا يملك النقير والقطمير - فإن هذا القول يدل على أنه لا يملك شيئا قليلا أو كثيرا « 2 » . وقوله * ( ولا تَنْهَرْهُما ) * أي : ولا تزجرهما عما يتعاطيانه من الأفعال التي لا تعجبك . فالمراد من النهى الأول : المنع من إظهار التضجر منهما مطلقا . والمراد من النهى الثاني : المنع من إظهار المخالفة لهما على سبيل الرد والتكذيب والتغليظ في القول . والتعبير بقوله : * ( عِنْدَكَ ) * يشير إلى أن الوالدين قد صارا في كنف الابن وتحت رعايته ، بعد أن بلغ أشده واستوى ، وبعد أن أصبح مسؤولا عنهما ، بعد أن كانا هما مسئولين عنه . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما معنى * ( عِنْدَكَ ) * قلت هو أن يكبرا ويعجزا ، وكانا كلَّا على ولدهما لا كافل لهما غيره ، فهما عنده في بيته وكنفه ، وذلك أشق عليه وأشد احتمالا وصبرا ، وربما تولى منهما ما كانا يتوليانه منه في حالة الطفولة ، فهو مأمور بأن يستعمل معهما وطاءة الخلق ، ولين الجانب ، حتى لا يقول لهما إذا أضجره ما يستقذر منهما ، أو يستثقل من مؤنهما : أف ، فضلا عما يزيد عليه « 3 » . والتقييد بحالة الكبر في قوله - تعالى - : * ( إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ ) * جرى مجرى الغالب ، إذ أنهما يحتاجان إلى الرعاية في حالة الكبر ، أكثر من احتياجهما إلى ذلك في حالة قوتهما وشبابهما ، وإلا فالإحسان إليهما ، والعناية بشأنهما . واجب على الأبناء سواء كان الآباء في سن الكبر أم في سن الشباب أم في غيرهما .
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 15 ص 55 . ( 2 ) تفسير البيضاوي ج 1 ص 582 . ( 3 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 444 .